: آخر تحديث
 احتفاءً بمئوية العراق الحديث

 "دارة المنصور": عندما يغدو السكن إبداعاً تشكيلياً... ايضاً

24
22
18
مواضيع ذات صلة

صفحات من كتاب: "قراءة في تمثلات عمارة الحداثة بالعراق" الذي سيصدر قريبا

يعتصر قلبي الماً واسفاً للمصير التراجيدي الذي اصاب واحد من اجمل نماذج العمارة العراقية الحداثية. وأشعر بغصة حزن عميق، وأنا ارى مصيره الفاجع، وما آل اليه من خراب وتهديم واضمحلال. نحن، نتحدث عن رائعة المعمار قحطان عوني (1926-  1972): "الدارة السكنية" في المنصور (1966)، والتى اعدها من كنوز ما انتجته العمارة العراقية الحداثية؛ إن كان لناحية نوعية المقاربة المعمارية التى اصطفاها المعمار "لثيمته" السكنية، ام لجهة حداثة وجدة المفردات التصميمية لتكوين تلك الدارة. لم يكن احد يتصور ان نوعية استخدامات الموقع المختار للدارة، كما هي مجاوراته في ذلك الحيّ السكني الهادئ، سيطرأ عليه تغير دراماتيكي وبسرعة كبيرة، بحيث تنقلب طبيعة البناء السكني فيه ذو الارتفاع الواطئ، الى نوعية استخدامات آخرى، افضت الى تبدل تام في خاصية ضوابط البناء واشتراطاته، ما اثر سلبا على عمارة الدارة السكنية، واخل في مقياسها، المقياس المنتقى بعناية، وفقاً لمشروطية خاصية ذلك البناء وحالاته المعيارية. وبظهور مبنى فرع مصرف الرافدين (1969) المجاور للدارة (المعمار: رفعة الجادرجي)، والمطل على ساحة الشارع العام، وحائطه الاصم العالي، من جانب، ومن جانب آخر، بزوغ المبنى المتعدد الطوابق(1976)، الذي تشغله الآن السفارة الروسية) (المعار: كمال تاج الدين)، فان عمارة الدارة اياها، التى انحصرت بينهما، بدت وكأنها "عنصراً" غريبا ومغرّباً عن بيئته المكانية، وبمقياس غدا وكأنه، ايضاً، لا يتناسب البتة مع مشاهد المكان وحالاته البنائية. وكل ذلك افضى الى اختلال تقبل عمارة المبنى بصرياً؛ قبل ان "يتعهد" الهدم والمحو مؤخرا، لتزول تلك المأثرة المعمارية المبدعة نهائياً، وتختفي عن ذاكرة كثر من المعماريين، ويحل محلها شئ آخر، لا نعلم مدى قدرته في ان يكون بديلاً مقنعاً لذلك "السلف" المرموق، الذي كوّن مع نماذج تصميمية آخرى ذخيرة المعمار الهامة في اثراء منتج العمارة العراقية. لكن علينا ايضاً، الاشارة هنا باسف وألم عميقين، من ان عدداً لا بأس به من نماذج تلك الذخيرة الجادة والمميزة، قد اصابها التلف والهدم والمحو كدارة المعمار الشخصية في الوزيرية، التى ازيلت على نحو تام، والمبنى  الذي شغلته السفارة السعودية بالمنصور، والذي هدم بالكامل وجزأ موقعه الى عدد كبير من "القطع"، المخالفة استحداثها كلياً لمعايير التخطيط والبناء في تلك المنطقة. ولكن مع هذا، فقد ازيل المبنى، وتم "التقطيع". ولا احد يعلم، الى ماذا ستؤول الامور اذا كانت الانظمة والمعايير التخطيطية تنتهك بمثل هذه "الخفة" الفظة الجافية، وغير الحضارية. لكن ذلك، حكاية حزينة آخرى!
لا يتوانى معمار الدارة عن إظهار نزوعه التجديدي، وسعيه وراء تغيير الذائقة المعتادة (الجمعية؟)، لمفهوم "البيت السكني" البغدادي، موظفاً، في ذلك المسعى والنزوع، كشوفاته التصميمية، هي التى رأينا تماثلات لها في تصاميم مبانٍ آخرى، اجترحها المعمار، قبل تصميم "الدارة"، ولاسيما عمله الباهر الخاص بتصميم "الجامعة المستنصرية" (1963 -66). يدرك المعمار جيدا ان ما يسهم في تميز عمارة مبناه في المنصور، ويرسخ من حضورها المكاني، هو إضفاء قيمة تشكيلية (نحتية على وجه التحديد!) الى هيئة المبنى. وهذا الادراك يتحقق بنجاح، من خلال اصطفاء قرار تصميمي يقصر ارتفاع الدارة على طابق واحد. 
ثمة "ستارة" اسمنتية بيضاء بارتفاع "محسوب"، تربط المكونات الفضائية الاساسية للدارة، وتوصل فيما بينها. انها، وإن بدت العنصر الاكثر نظاماً وهندسية في مفردات الواجهة، الا انها "تتقطع" وتتجزأ وتنكسر في مناطق محددة، كاشفةً بذلك قيمة بعض مفردات الواجهة، التى يتوق المعمار ان تكون حاضرة بقوة في تكوينات "فورم" واجهته المعبرة. ولكون التكوين الفضائي الفني للدارة اعتمد اساساً، على تباين حجوم أحياز الدارة، واختلاف توقيعها في الموقع، نسبةً الى "خط وهمي"، مرسوم على الارض، تؤشر حدوده الستارة العلوية الاسمنتية البيضاء، ما منح الاخيرة امكانية ان تلعب دوراً فعالاً ومؤثرا للاحساس بالهندسية العالية، التى يرغب المعمار، ان تكون متواجدة "لضبط" انتشار تلك الاحياز وتغلغلها بصريا في فضاءات اخرى من الموقع. كما يسعى وراء حضورها الجلي، الى التخفيف، ايضاً، من "فوضى" الاشكال المختارة.
يصطفي المعمار حجوم وكتل متنوعة، لمفردات واجهة الدارة. انها هي التى تمنح المبنى خاصيته التشكيلية (النحتية على وجه الخصوص). فالهاجس التشكيلي يبقى غاية المعمار وهدفه في اجتراح تكوين تصميمي متفرد. انه يعي تماماً من ان اشكال مفرداته التصميمية المستعملة في الواجهة، قد لا تكون حالة شائعة او مألوفة  في عمارة الابنية السكنية المحلية.  لكن مع هذا، فانه يطمح ان يكون وجودها النحتي هناك، بمثابة وسيلة، يراد بها الإيحاء لرمزية  هيئات عناصر العمارة التقليدية ومفرداتها: كالملقف "البادكير"، على سبيل المثال. او قد يشي حضورها التصميمي بقدرة المعمار على استعارات موفقة، يستقيها من خزين مفردات عمارة الحداثة، وتحديدا من (مصلى رونشان) "الكربوزيوي" (1954)، الذائع الصيت معمارياً. اذ تذكرنا توظيفات المعمار البغدادي للقبة المشقوقة الآجرية في "دارة المنصور"، الى صيغة البرج المشطور في عمارة ذلك المبنى الفرنسي الشهير.  بيد إن مسعى المعمار، الذهاب بجرأة نادرة نحو "نحتية" الجدار العمودي، البارز بقوة عن "سطح" الواجهة، من خلال إضفاء ميزة ثلاثية الابعاد له، عن طريق توالي اسلوب رصف الطابوق المنحسر والبارز، وعمل فجوات متباينة الاشكال فيه؛ كل هذا يجعل من مفردات دارة المنصور المعمارية، لان تكون حدثاً تصميميا استثنائيا في عمارة الابنية السكنية البغدادية، مذكرة في الوقت ذاته، بكشوفات المعمار التصميمية، التى يستقيها من "نبع"  اجتهاداته في عمارة الجامعة المستنصرية. وفي النتيجة، فنحن أزاء تمرين تصميمي مميز، يزيده امتيازاً، المقدرة على رهافة توظيف المفردات التصميمية، وآهليتها المهنية العالية. كما لو ان عمارة الدارة، تتوق لارساء قيم جديدة وإضافية في "معجم" العمارة السكنية المحلية، كما لو انها تنزع الى انتشال  الممارسة المعمارية السكنية المحلية من مألوفيتها المملة ورتابة اشكالها المعروفة. وفي العموم فان قحطان عوني، كما كتبت يوما عنه في عام 2007 ، بمناسبة ثمانينيته"..  انجز سلسلة تصاميم تجاوز بها مرجعيات الممارسة المعمارية المحلية السائدة، بل واشهر، بغير وجل مع معماريين آخرين محدثيين،  قناعات تدعو صراحة  بلزوم اجراء قطيعة معرفية ومهنية مع سياق الممارسات الماضوية، والعمل على تفكيك قيمها بطرح مقاربة جديدة تنقض قيم تلك  الممارسات بدلا من ايجاد "مساومات" تصميمية معها . لقد كانت عمارته من ذلك الصنف الذي يختزل زمناً للقفز الى زمن آخرا".
ولد المعمار قحطان عوني في سنة 1926 ببغداد، وتوفي فيها اثر  سكته قلبية في سنة 1972. انهي تعليمه المعماري في جامعة بيركلي في امريكا، وعاد الى الوطن عام 1952. صمم عدة مبان في مدن مختلفة في العراق، اعتبرت عمارتها من نماذج عمارة الحداثة العراقية المرموقة، منها مستشفى سلمان فائق في العلوية (1956)، ومبنى ناجي جواد الساعاتي في السعدون (1962)، وثانوية الزعيم عبد الكريم قاسم للبنات في الصويرة (1962)، والجامعة المستنصرية ببغداد (1963 -66)، ومبنى مصلحة الكهرباء الوطنية في الميدان ببغداد (1965)، والمؤسسة العامة للتجارة في كرادة مريم (1967)، ومبنى التأمين بالقرب من ساحة الطيران (1968)؛ وغير ذلك من الاعمال التصميمية البارزة.□□ 

معمار وأكاديمي 
الصور 
1-    دارة المنصور، بغداد (1966)، المعمار: قحطان عوني، منظر عام.
2-    دارة المنصور، بغداد (1966)، المعمار: قحطان عوني، تفصيل.
3-    دارة المنصور، المعمار: قحطان عوني، بغداد (1966)، (الدار اثناء الهدم)
4-    دارة المنصور، المعمار: قحطان عوني، بغداد (1966)، تفصيل في الجدار.
5-    دارة المنصور، المعمار: قحطان عوني، بغداد (1966)، (الدار اثناء الهدم)


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات