: آخر تحديث

ميركل والشخصية القومية الألمانية

10
9
7
مواضيع ذات صلة

لا يختلف منصفان على أن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل سيدة مدهشة، سواء في سماتها الإنسانية، أو ما تفعله كقائد سياسي على قمة أقوى دولة أوروبية، وواحدة من أهم دول العالم. وما يزيد الدهشة أنها جاءت إلى سدة الحكم في وقت صعود «اليمين» العنصري في الحياة السياسية الأوروبية، وتعزز النزوع إلى الرأسمالية المتوحشة، وتعمق القدرة على تحشيد وتجييش عموم الناس ممن يفتقدون ثقافةً سياسية راسخة، لا سيما مع الدور الذي يلعبه الإعلام الجديد في هذا الشأن.
لكن ميركل ليست فقط نتاج تربيتها الفردية، وتحصيلها العلمي والمعرفي، وتجربتها الحياتية، وخبرتها المؤسسية في رحاب الجامعة والحزب، لكنها بنت السياق السياسي ـ الاجتماعي، والتاريخ الجاثم على صدر ألمانيا، والإيمان العميق بأن التحديات القوية، تحتاج إلى استجابة لا تعرف إلى الراحة سبيلاً.
إنها واحدة من أهل بلد، يتسم أغلبهم بالجدية، والانتماء الشديد إلى بلدهم، لدرجة أن الألماني يفضل الحديث بلغته مع كل غريب يصادفه، وفي كل محفل يدعى إليه، ولا يبتعد عن هذا إلا في اضطرار شديد، والأهم أنه يريد العمل ليل نهار في سبيل منفعته الذاتية، ورفعة بلاده في آن. لهذا لم يجاف عالم الاجتماع والمؤرخ والسياسي الفرنسي «أندريه سيجفريد» الحقيقة حين جعل مفتاح الألمان هو «النظام»، بل يظل المجاز الذي اخترعه معلقو كرة القدم عن «الماكينات الألمانية» أمراً واقعياً. 
لكن تاريخ القرن العشرين علّم الألمان معنى التفاهم والتسامح، بعد أن دفعوا ثمناً باهظاً للأيديولوجيات المغلقة المتعصبة والمتمركزة حول العِرق، والتي تضفي عليه أوهاماً أو تُضخم من قدراته، تحت رايات الاستعلاء، والشعارات الإقصائية مثل «ألمانيا فوق الجميع«أو التصورات الفلسفية مثل تلك التي أطلقها فريدريك نيتشة حول»السوبرمان" أو نظريات سياسية ذات نزعة توسعية مثل نظرية «المجال الحيوي» لـ«كارل هوسفير»، التي دفعت «أودلف هتلر» في طريق الهلاك.
لقد تلاحقت التجربة الألمانية من طموح مع «بسمارك» في القرن التاسع عشر إلى نزوع استعماري، فهزيمة في الحرب العالمية الأولى، فمحاولة للقيام من جديد والانتقام والتحقق، فهزيمة جديدة، وتقسيم ووصاية وإذلال، فصبر وعمل شاق واغتسال من أدران التعصب الأعمى، ثم وحدة، وبناء من جديد، وثقة في الذات وتقدم، ومحاولة للسيطرة مرة أخرى، لكن بأدوات ناعمة سلمية آمنة، مثل الاقتصاد والدور السياسي والثقافي وصناعة الصورة. 
في هذا السياق المركب جاءت ميركل، أستاذة الكيمياء الفيزيائية التي لها نصيب من اسمها، إلى الحياة السياسية فحرصت طيلة الوقت على أن تعطي مثلاً متعدد الزوايا، فهي المرأة القادرة الحكيمة، وهي السياسية الذكية الواثقة من نفسها، وهي القائد النزيه الذي يحترم القانون ويرى نفسه واحداً من الناس، وهي السيدة التي لم تنجب فصار كل الألمان أبناؤها، وهي التي تتعامل بإنسانية مع الغير، وهو ما بينه موقفها من المهاجرين السوريين إلى أوروبا. نعم هي تعلم أن ألمانيا التي تعاني من شيخوخة بحاجة إلى ضح دماء جديدة في شرايين مجتمعها، لكن الرحمة سبقت المنفعة في تصرفها حيال هذه القضية. 
إن من تابع أداء ميركل، التي تستعد الآن لمغادرة منصبها، يتأكد له بوضوح أن البارعين فقط هم من بوسعهم تحويل المشكلات إلى فرص نجاح، في ظل إيمان عميق بأنه لا يوجد مستحيل أبداً، طالما كان هناك عقل يبدع، وروح تفيض، وإرادة تسخو، وطالما كانت هناك أمة مؤمنة بنفسها، واثقة من قدراتها، وراغبة دوما في السعى إلى القمة بلا كلل ولا ملل.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد