: آخر تحديث

السعداوي.. عِبء مهمةِ التَّنوير

6
6
7
مواضيع ذات صلة

رحلت قبل أيام الطَّبيبة والكاتبة نوال السَّعداوي(1931-2021)، وفيها يصح القول: «المعروف لا يُعرف»، عُرفت واشتهرت بما كُتب وقيل وحُكم ضدها، أكثر بما كتبت وحاضرت وجادلت. وكم مِن شخصية وكتابٍ وفكرٍ بُث عن طريق الخصوم، بعد وصمه بالجهل والابتذال، لكنه ظل يشغلهم، حتى وصلت أفكاره للأجيال عبرهم. فلولا خصومه ما عَرفنا أحمد بن يحيى الرَّاوندي(تـ: نحو250 هجريَّة)، خصومه المعتزلة، لأنَّه تمرد عليهم، وكتب فيهم «فضيحة المعتزلة»، وربَّما جاء رداً على «فضيلة المعتزلة» لعمرو بن بحر الجاحظ(تـ: 255هجرية)، أو بالعكس، والكتابان يُعدان مِن المفقودات، لكنَّ «فضيحة المعتزلة» نجده في كتاب المعتزلي عبد الرّحيم الخياط(تـ: بحدود 290هجرية) «الانتصار والرَّد على ابن الرَّوندي الملحد»، لأنّه ردَّ عليه فقرةً فقرةً، وبهذا حفظه، مات ابن الرَّواندي مختفياً، والموت في الاختفاء بحكم القتل. 
لستُ معتبراً نوال السَّعدواي كابن الرَّاوندي، ولا خصومها معتزلةً، لكنني ضربت مثلاً عن فائدة الخصم، وهو يدعي بجهل خصمه وابتذاله. فلو كان ابن الرّاوندي كذلك، ما شغل خصومه لعقود بل لقرون، وكذا الحال مع السَّعداوي، شغلت خصومها في حياتها ومماتها، بعد أنَّ أرادوا لها ما أرادوه لنصر حامد أبو زيد(تـ: 2010)، ولفرج فودة(قُتل: 1992)، فدعاة التَّكفير جاهزون للتشكيك وإصدار الحُكم، نصاً أو ضمناً، يطلبون إعلان التَّوبة أو التفريق بين الزَّوجين والقتل بسبب الرِّدة عن الدِّين. 
واجهت نوال السَّعداوي الشَّيخ يوسف البدري(تـ:2014)- المشهور بدعاوى التَّكفير ضد الكُتاب والمثقفين بمصر- في برنامج تلفزيوني(1998)، غير أنَّ عدم ثقة الرَّجل بحجته دخل إلى البرنامج حاملاً نسخة مِن القرآن، أخذ يرفعها بين لحظة وأخرى بوجهها. كانت تتحدث بعلم طبي، مفاده الاختلاف الجسمي بين الجنسين لا يعني اختلاف العقل بينهما، فالمرأة مساوية للرجل بالعقل، بينما الشَّيخ كان يقاطعها صارخاً، تعبيراً عن امتلاكه للحقيقة، وعن رجولته أيضاً، لاغياً اختلاف الأزمنة، ورافعاً الكتاب بوجهها إشارة إلى أنَّها كافرة، محاولاً تجاهلها عندما تتحدث، يصد عن وجهها، أو يعبث بأوراقه، التي ملأها نصوصاً، لا فضل له بها، مقابل أنَّها كانت تتحدث بالرَّأي. 
جاء ما كتبته نوال السعداوي، لأجل المرأة، مِن واقع أسرتها وقريتها ووظيفتها كطبيبة. كانت صوتاً تنويرياً مُدِويَّاً، حَمَّلها عبئاً، وهي الأنثى في وسط ذكوريَّ متسلح بالنصوص والسلطة الفقهيَّة ضدها، لذا عانت ما عانته، لم تواجه الرِّجال حسب، إنما واجهت النِّساء اللاتي أرادت حماية بناتهنَّ مِن الختان، ومِن زواجهنَّ قاصرات، فالأحزاب الدِّينية ثقفت المرأة أن تثور ضد مصلحتها كإنسانة. 
كانت معركة السَّعداوي ضد ختان الفتيات حاميَّة الوطيس، غير أنَّ هذا الجهد اعتبرته القنوات «الإخوانية» تهتكاً، مع أن هذا الختان كان معروفاً قبل الإسلام ومذموماً (الجاحظ، الرَّسائل، وكيع أخبار القضاة)، وهم يدافعون عنه اليوم، وفقهاء يعرفون أنَّه خطيئة كبرى، مع ذلك يحجمون عن التَّصريح برفضه مدارةً لمزاج العوام. 
يعتبرُ الإسلام السياسي ومراكز الفقه التقليدية السَّعداوي عدوةً لَدودةً، لأنَّها أرادت للإسلام والمسلمين مجاراة الزَّمن في معاملة النِّساء، ومعلوم أنهنَّ الهدف الأول للإسلاميين، فبفرض سمات تدينهم عليهنَّ يضبطون المجتمع على إيقاعهم، لا إيقاع العقل والزَّمن. 
قال المتنبي(قُتل: 354هجريَّة): «فما التَّأنِيثُ لاسْمِ الشَّمْسِ عَيْبٌ/ ولا التَّذْكِيرُ فَخْرٌ للهِلالِ»(الدِّيوان بزياداته)، وهذا جوهر ما اعتقدته ونجحت بغرسه نوال السَّعداوي.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد