: آخر تحديث

أرقام لبنانية مرعبة

13
15
13
مواضيع ذات صلة

لم تعد بعض المصطلحات تعبّر بدقة عن واقع لبنان المنهار، لا الصادم ولا المرعب، بتنا في قعر الثقب الاقتصادي الأسود الذي ابتلع شعباً ودولة بعد إجرام ممنهج استمر لعقود طويلة ومنذ نشأة كيان ولد لقيطاً مشوهاً لا أفق له.
  لبنان اقتصادياً اليوم من ضمن أسوأ الدول العشر عالمياً، ويشهد ثالث أسوأ ظاهرة اقتصادية مرت بها الدول منذ العام 1850، بعد التشيلي أزمة 1926 وإسبانيا الحرب الأهلية 1936، وبحسب تقرير البنك الدولي الأخير، أكثر من نصف الشعب اللبناني يعيش تحت خط الفقر، وتجد صعوبة بالغة في تأمين قوتها اليومي، علاوة على أن هذه النسبة تعاني فقراً وعوزاً شديدين وباتت تؤثر في السلوك النفسي والاجتماعي الذي يميل إلى سلوك عدواني وإجرامي لتيسير أموره ولو بطرق غير مشروعة. 
   وبحسب دراسات أجراها برنامج الأغذية العالمي أواخر العام 2020، تشير إلى أنّ 41% من الأسر اللبنانية يصعب عليها الحصول على المواد الغذائيّة، وتعجز عن سدّ حاجاتها الأساسيّة الأخرى، كما ارتفعت نسبة الأُسر التي تواجه صعوبات في الحصول على الرعاية الصحيّة من 25% قبل الأزمة إلى 36% حالياً، إذ لا أدوية وسط بدء الكثير من المستشفيات إغلاق أبوابها لعدم توفر المواد الأساسية والضرورية للعلاجات والعمليات وفي وقت يشهد القطاع الصحي هجرة واسعة للأطباء والممرضين. كما ارتفع معدّل البطالة من 28% قبل وباء كورونا، إلى 50% في نهاية العام 2020.
   ثمة تدهور مالي ونقدي، تقاطع وتفاعل مع أسعار الصرف المتعدّدة للعملات الأجنبية وبخاصة الدولار الأمريكي، والتضخّم، وأحجام الكتل النقديّة؛ إذ شهد سعر صرف الدولار تقلّبات حادّة، فتجاوز 15 ألف ليرة لبنانيّة، قبل أن يتراجع إلى 13 ألفاً ويعاود الارتفاع مجدداً وسط مؤشرات أن انزلاق سعر الصرف لن يكون له سقف محدد. مما أثّر في أسعار السلع، فتضخّمت الأسعار نحو 84.3% العام 2020، وزاد حجم الكتلة النقدية المتداولة بنسبة 197%، وتراجعت تراخيص البناء 26.9%، وتدنّت كميّات الأسمنت المسلَّمة 44.7%، خلال الأشهر العشرة الأولى من العام 2020.
  واقتصاد لبنان القائم بشكل أساسي على قطاع السياحة والخدمات، تعرّض لضربة قاسية جداً بسبب فيروس كورونا، فتراجع عدد المسافرين الوافدين بنسبة 71.5% على مدى الأشهر الخمسة الأولى من العام 2020، مقارنة بالعام الحالي.
  يشار إلى أن «خطة القطاع المصرفي التي أعدّت، كجزء من سياسة إصلاحية تشمل أصولاً تملكها الدولة، واحتياط الذهب والعقارات العامة، كان الهدف منها إصلاح ميزانيّات المصارف الضعيفة، إذ بدا إنقاذاً للقطاع الخاص على حساب القطاع العام، ولا يتماشى مع مبادئ إعادة الهيكلة التي يُفترض بها أن تحمي دافعي الضرائب».
  إن أفضل التوقعات تشير إلى أن لبنان يحتاج إلى اثني عشر عاماً لكي يتجاوز مبدئياً أزمته الحالية إذا لم يتخط الناتج القومي عن 35% انخفاضاً عما كان عليه نهاية العام 2017، في وقت تشير أرقام أخرى أشد تشاؤماً، فتقدر أن لبنان يحتاج إلى عقدين من الزمن ليستعيد عافيته الاقتصادية.
  هذه الأرقام المرعبة حقاً، ليست المشكلة وحدها، بل الأزمة الحقيقية هي بتداعيات هذه الأرقام على النسيج الاجتماعي والمؤسساتي التي تلاشت وانهارت بفعل، سياسات التحلل والتفتيت البطيء والتي أدت إلى ظروف ستكون العودة معها إلى الوضع السابق شبه مستحيلة، وهي سياسات متبعة في ظل أزمات متلاحقة وقعت فيها العديد من الدول، فانهارت واندثرت ومنها امبراطوريات كبيرة كالاتحاد السوفييتي مؤخراً.
  لقد فقد لبنان دوره خلال العقود الماضية في ظل النزاعات الداخلية الحادة، ووسط نزاعات إقليمية ودولية أثرت فيه بشكل مباشر، مما سيصعب إعادة هيكلته اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً في ظل غياب المعجزات. ويعيش حالياً ما تبقى من لبنان عصر المشاعات، لا سلطة ، قطّاع طرق يتحكمون بأشلاء مجتمعية، شعب خامد ، ينتظر قدره المحتوم بعد الارتطام الكبير، لقد دخل لبنان الثقب الأسود وابتلعه إلى غير رجعة، إلا إذا أُعيد إحياؤه برعاية عربية ودولية جدية؟
 رئيس قسم العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد