: آخر تحديث

قمة السبع.. قراءات سياسية واقتصادية

23
20
12
مواضيع ذات صلة

البيان الختامي لقمة الدول الصناعية السبع التي انعقدت في مدينة هيروشيما اليابانية في 20 الجاري حمل مجموعة من الرسائل السياسية والعسكرية في أكثر من اتجاه، وقد تحوَّلت المجموعة التي تضم أكبر سبع دول صناعية في العالم إلى ما يشبه التحالف الدولي المناهض للصين وروسيا، وخرجت عن أهدافها الاقتصادية التي أنشئت من أجلها، ووسعت مهامها لتشمل بحث قضايا استراتيجية لها طابع أمني.

 مضمون البيان ركز على الملفات الساخنة في شرق آسيا وجنوبها، وتناول موضوع الحرب الدائرة في أوكرانيا بكل تفاصيلها، وهو انتقد الصين بقوة واتهمها بعسكرة منطقة آسيا والمحيط الهادي. لكن البيان هاجم روسيا بقوة ولم يكتفِ بانتقادها فقط، بل طالبها بالانسحاب الفوري من الأراضي الأوكرانية، داعياً الصين إلى عدم تشجيع «العدوان الروسي»، كما قال البيان، ومحذراً في الوقت ذاته من خطورة التجارب النووية الكورية الشمالية، ومنها تجارب على إطلاق صواريخ بعيدة المدى قادرة على الوصول إلى الشواطئ الأمريكية، محملاً الصين مسؤولية احتضان قادة بيونغ يانغ ومدهم ببعض الدعم غير المعلن.

 التحوُّل في مسار مجموعة السبع واضح. فبينما كانت روسيا لفترة طويلة شريكة لهذه المجموعة ودُعيت إلى حضور قمم عديدة سابقة، فقد أصبحت خصماً بالنسبة لغالبية دول المجموعة، وهؤلاء احتضنوا بحماسة الرئيس الأوكراني فلودومير زيلينسكي خلال وجوده بينهم ضيفاً في القمة، وأكدوا على دعمه، وعلى السير باقتراح تزويد بلاده بطائرات «إف – 16» الأمريكية المتطورة، بعد أن يتم تدريب طواقم من الضباط الأوكرانيين لقيادتها. وهو ما استدعى تحذيراً شديد اللهجة أطلقه وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف قال فيه إن بلاده بدأت مرحلة المواجهة الحادة مع حلف شمال الأطلسي، ولم يعِر لافروف اهتماماً لتأكيد الرئيس الأمريكي جو بايدن أن الطائرات لن تهاجم أهدافاً داخل روسيا.

 الصين أعربت عن انزعاجها من بيان قمة السبع التي حضرها قادة اليابان والولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وكندا وإيطاليا وألمانيا، ووجهت رسالة احتجاج لوزارة الخارجية اليابانية ضمنتها اعتراضاً شديد اللهجة على صياغة وردت في البيان، تعتبرها «تنمُّراً اقتصادياً» غير مقبول ،لاسيما في اتهامهم بكين بأنها «تتقوقع». وأكدت الصين أن ما ورد في بيان القمة لناحية تايوان يعتبر تدخلاً غير مقبول في شؤونها الداخلية، ولا يبدو أن إشارة الرئيس بايدن إلى إمكانية تحسُّن العلاقات مع الصين في العام القادم خفّفت من الامتعاض الصيني.

 في القراءات الواقعية للبيان الختامي لقمة الدول السبع في اليابان نرى مجموعة من المُحددات الجديدة، وفيه تحذير واضح من مغبة التعاون الصيني – الروسي، خصوصاً في المجال الاقتصادي، والقمة لم تكتفِ بفرض عقوبات جديدة على الشركات الروسية، بل إنها طورت هذه العقوبات لتصل إلى الشركات الأجنبية التي تتعامل مع روسيا أو التي تساعدها على تصدير منتجاتها، وغالبية هذه الشركات صينية. ومن خلال هذا المنحى يمكن التأكيد أن الدول الغربية دخلت في حرب تجارية فعلية مع الصين، وطوَت صفحة الانفتاح التي فتحتها زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى بكين في 7 إبريل/ نيسان الماضي، حينما دعا الدول الأوروبية إلى التمايز عن سياسة الولايات المتحدة تجاه الصين.

 مما لا شك فيه أن مجموعة السبع أصبحت الذراع الاقتصادية لحلف الناتو، ودخلت كمنظومة في سياق الحرب الباردة السياسية والعسكرية القائمة على المستوى الدولي بين المعسكر الغربي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، وروسيا وإلى جانبها الصين وعدد من أصدقائهما الآخرين، وهذا سيفتح الباب على مصراعيه أمام تنافس لا يمكن توقّع كامل نتائجه، تنافس سوف يشمل مجموعة «البريكس» التي تضم الصين وروسيا والبرازيل وجنوب إفريقيا ومعها عدد كبير من الدول الأخرى وتتحضر لقبول انتسابات جديدة، ومنها دول عربية وإفريقية، وحجم اقتصادات هذه المجموعة تجاوز حجم اقتصاد مجموعة السبع، وذكرت بعض التقديرات أن اقتصاد دول «البريكس» سيصل في العام 2028 إلى 35% من الاقتصاد العالمي، بينما يقدر حجم اقتصاد دول مجموعة السبع ب 27,8% فقط. بالمقابل فإن مجموعة «البريكس» لديها مرونة في التعاطي مع التنوع السياسي والقاري لدى الدول الأعضاء، بينما مجموعة السبع تحرص على تجانس سياسي غربي، ودولها لا تنتمي إلى كل القارات.

 من الواضح أن مهمة مجموعة السبع شهدت بعض التغييرات، وميثاق الأمن الغذائي الذي اعتمدته قمة هيروشيما لم يتناول التعاون مع دول عديدة معنية في هذا الملف على المستوى الدولي، واقتصرت الخطة على إجراءات توفر ضمانات غذائية للدول الأعضاء ولأصدقائها في بعض أنحاء العالم.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.