: آخر تحديث

المرشح الذي تبحث عنه الكويت

12
19
21
مواضيع ذات صلة

جميع المرشحين يتمنون الفوز، وجميعهم مدركون أن البعض سيفوز، والأغلبية لن تنال العضوية، ومن يفوز ليس بالضرورة المرشح المثالي الذي تبحث عنه الكويت، فعدد كبير من الذين دونت أسماؤهم في ملفات المجلس كانت إقامتهم قصيرة، وعدد من المتواجدين استمروا في المجلس بفضل شبكة الترابط ، ولا يعود استمرارهم إلى شطارتهم، وإنما لنجاحهم في توفير خدمات لجماعتهم.

وتبقى الكويت، وهي الأصل، في انتظار مجيء ذلك الإنسان الواعي والراصد لما يرضي الوطن، وهي وصفة تتشكل من حقائق ترسخت مع التجربة البرلمانية، أبرزها احترام شرعيتها وحماية سيادتها والاعتزاز بشعبها وبهويته الخاصة التي صاغتها قرون الكفاح المعيشي وتحدي المخاطر، ولتكن أبرز الصفات التي يثيرها المرشح والنائب، فلا غنى عن تأكيدها وتعميق معانيها..

فمن يقرأ الدستور ويتأمل في محتوياته يدرك أن أولى الحقائق التي يجاهر بها الدستور، ويصر على تواجدها، ترسيخ التعاون بين الحكومة والمجلس، فقد حددت الصيغة البرلمانية المسار الوحيد الذي تزدهر فيه الكويت وتنتعش الشراكة بين الطرفين، فقد جاء الدستور عارفاً بأن الحكومة لا تملك أغلبية برلمانية، وإنما ترتكز على مفهوم التآلف المتمثل في الشراكة بين المجلس والحكومة، والمبنية على الإجماع الوطني، فلا توجد أحزاب تسعى إلى الحصول على قيادة حكومة البلد، لأن البنية السياسية والاجتماعية لا تتحمل أذى الانقسامات، فجاء الدستور خالياً منها واستبدل الشراكة بين الشرعية التاريخية وأبناء الوطن بها.

وهذه الصيغة تعني بكل وضوح لا مكان للمعارضة ولا للانقسام، وإنما الكلمة لإملاءات التوافق، فالدستور يوفر مساحة واسعة للترشيد في المواقف وفي السلوك، ويرحب بالنصيحة والمشاورة، كما لا يسمح الدستور بتواجد تكتل معارض يتعاظم ليعطل المسيرة الدستورية التي تزدهر بالتوافق، فتواجد المعارضة مقبول مع نظام يسمح بتداول السلطة بين أحزاب تتنافس، دستور الكويت يتقبل اختلاف الرأي، لكنه لا يحتمل أثقال العيش مع معارضة تتسيد المداولات وتتحكم بالقرار.

ثانياً - لا يغيب عن البال واقع الكويت الذي ولد الدستور من أجوائه، حيث انشغلت الدولة الفتية بإفشال أطماع الحكومة العراقية التي أخذت السلطة في بغداد، عبر انقلاب عسكري دموي، قضى على مؤسسة الحكم الشرعية.

ومن ذلك الجو المتوتر جاء الدستور كأهم آليات الأمن الوطني الكويتي، وأصدق وثيقة، وهو دستور لشحن الوحدة الوطنية وتجنيد الإرادة الشعبية الجامعة للتصدي وإفشال تمنيات الطامحين.

ثالثاً - لم يلتزم النواب في مسعاهم نحو التطوير والتحسين بحقوق الشراكة التي يصر عليها الدستور، وإنما أظهرت ومنذ السبعينيات من القرن الماضي اجتهادات للتغيير، لا تستوعبها الحالة الكويتية، ولا يهضمها الدستور، وفيها مبالغات يريد بعض النواب السعي نحوها، في تجاوز لمبدأ الشراكة وتجاهل لحق الحكومة في تقبل ما تستوعبه وليس ما يفرض عليها، ومع تصاعد التحدي لحقائق الشراكة، برزت ملامح التباعد التي أدت إلى الحل أو التجميد.

رابعاً - تفرض الشراكة المصيرية بين الطرفين تبادلية الاحترام والابتعاد عن استفزازية المفردات، مع صون المقام، فليس من اللائق الخروج على قواعد أدب الحوار مع ضرورة تأكيد حسن السمعة وتقدير المقام، فأسرة الحكم عامل جوهري على خريطة الشراكة، فالدستور نصاً وروحاً لا يهضم التطاول وينصح بالاتزان في النعوت والأوصاف، خصوصاً خلال الحملات الانتخابية التي أحياناً تحمل المرشحين إلى المبالغات في عنف التعبير، فأسرة الحكم مؤسسة تاريخية تصدت بمشاركة شعب الكويت لجميع مساعي المغامرين والطامعين، وجذرت الوجود بنهج الانفتاح وتأكيد الاستقرار في الكويت الذي تميز بالألفة والتفاهم..

خامساً - سجل تاريخ الحياة البرلمانية في حالتي برلمان 2020، وبرلمان 2023، تسلل المظاهر المسرحية التي خرجت من حدة التعصب وتجاوزت المقبول في تبني أسلوب التعطيل لإفشال عملية الانتخابات للرئاسة ومكتبها، وذلك بالتدخل الشخصي للاعتراض على الإجراءات التي اعتاد المجلس على تطبيقها، وسببت تلك المشاغبات البرلمانية ضرراً في صورة المجلس، ومست مقامه، وسجلت خروجاً على روح الدستور ومبادئه، جاءت من خصومات شخصية وحساسيات بين الاجتهادات أفرزتها التصدعات، وأساءت لمفهوم الشراكة.

سادساً - كما أشرت بأن دستور الكويت يلح بقوة على التعاون ويقلق غيره من الدروب لأنه وثيقة إجماع أرادها المؤسسون جامعة، فيها تأكيد سيادة الكويت ووحدتها، لا يجد الطامعون ضعفاً في متانتها، ومن أبرز منابع صلابتها التوافق الصلب بين أبناء الشعب والسلطة التاريخية.

وفي هذه الأجواء المستندة إلى التلاقي بين الطرفين يشكل الاستجواب عظماً لا يبتلع خاصة في تشوهاته لمنظومة الديموقراطية الكويتية، ولا يتفق في أهدافه مع الفضاء الصحي الذي يبشر به الدستور، ومهما قيل عن الحق الدستوري باللجوء إلى الاستجواب، فالواقع المجرب أثبت أنه فصل غليظ لا يتناسب مع مبادئ الدستور، ودخيل على بيئة التآلف التي يسعى إليها. وفوق ذلك، فإن إجراءاته تأخذ مساراً مسرحياً تنتهي دائماً مع استقالة وزير أو عجز النائب عن تأمين المساندة، لكننا لا نتجاهل ما يتركه الاستجواب من إفساد لروح الألفة ومن اعتذارات عن قبول التوزير، وأعتقد بأن هناك ضرورة لمناقشتها في البرلمان، للوصول إلى مخرج معقول تطبقه جميع البرلمانات، فمن يفقد ثقة نصف الأعضاء في البرلمان عليه الخروج واستبداله، من دون الإجراءات التعسفية المتبعة الآن.

سابعاً - لا بد من الإشارة إلى ضرورة واقعية المقترحات التي ينوي المرشحون تقديمها في حالة الفوز، فلا توجد أزمة في المقترحات، وإنما معظمها لا يتناسب مع واقع الكويت، فالمبالغة في إطعام الكويت بشيء غير مهضوم يسبب الأذى، والكويت متعطشة للتجديد في مجالات التنمية والتعليم وفي كل مسارات الحياة، لكن الإصرار على نوعية البرامج المقترحة، من دون مراعاة لقدرة الكويت لمتطلباتها واستيعابها، يفجر الفوضى والإزعاج لعمل المجلس.

ثامناً - هناك على الأقل أربع مميزات التصقت بالكويت، وحافظت على لمعتها في السمعة الايجابية، أولها - سياستها الخارجية في الإيمان بالحلول السلمية والتفاهم والحوار ورفض العنف، وثانيها - المخزون الإنساني الداخلي الذي لا يتوقف في مساعدة من يستحق عبر مؤسسات وهيئات خيرية والهلال الأحمر وجنوده، وثالثها - الدور التنموي الكويتي الذي يشرف عليه صندوق التنمية، والذي تواجد في الصين الكبرى وفي جزر صغيرة منتشرة في المحيطات، ورابعها - الدستور وبرلمانه، وحقوق الإنسان، بما فيها الحق السياسي واستقلال القضاء، هذه سلة لا بد أن يحملها النائب معه في الجولات البرلمانية وفي لقاءاته مع الإعلاميين لإبراز محتويات الكويت الإنسانية والخيرية السياسية، فبعثات البرلمان تقدم فرصاً للتعريف بحقائق الكويت..

تاسعاً - ضرورة التعرض للجانب الأمني الإقليمي وتأثيره على الكويت، ومدى حذر الكويت من مخاطره ونوعية استعداداتها في ضوء تجربة الغزو المؤلم، وضرورة الإصرار على التعاون بين المجلس والحكومة ممثلة بوزير الدفاع، للاطمئنان على فاعلية الردع..

عاشراً - انسجاماً مع التبدلات التي فرضها الغزو على الكويت ومن مستجداته الإبحار في فضاء الضرورات، سجلت الكويت الشراكة الإستراتيجية مع كل من بريطانيا والولايات المتحدة، وخرج من هذه الشراكة تعاون دفاعي رادع وفر للكويت الاستقرار الأمني، وأدخلها في تجربة تستفيد منها عبر التمارين المشتركة، والوقوف على توظيف التكنولوجيا لأغراض الدفاع، وهذه الشراكة تزدهر بدعم ثنائي رسمي وبرلماني مع التصميم على بناء قوة وطنية قادرة على تطويق المخاطر وإجهاض الطموحات.. هذه ملامح النائب الذي نتمناه.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.