: آخر تحديث

الرهان الأمريكي على الهند

16
15
18
مواضيع ذات صلة

طوال العقدين الماضيين كان رهان واشنطن، في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، ذات تبعات كبيرة، فهي حسبت أن معاملة الهند كشريك أساسي سيساعد الولايات المتحدة في سياق تنافسها الجيوسياسي مع الصين. وابتداءً من ولاية جورج دبليو بوش قام الرؤساء الأمريكيون المتعاقبون بتعزيز قدرات الهند، مفترضين أن ذلك سيسهم تلقائيًا في تعزيز القوى المؤيدة للحرية في القارة الآسيوية. وتبنت إدارة الرئيس جو بايدن لحماسة هذا التوجه. لا بل إنها، فعلاً، خطت خطوة إلى الأمام. فاطلقت هذه الإدارة مبادرة جديدة طموحة لتسهيل حصول الهند على تكنولوجيات أمريكية بالغة التطور، وتعميق التعاون الدفاعي بين البلدين، وجعل «الرباعية» (المباحثات الأمنية الرباعية)، التي تضم استراليا والهند واليابان والولايات المتحدة ركيزة لاستراتيجيتها في ذلك الإقليم (منطقتي الهندي والهادئ). وتغاضت إدارة بايدن عن سياسات هندية تقوض الديمقراطية وتنتهج نهجًا غير مفيد في السياسة الخارجية، مثل رفضها إدانة روسيا في حربها المستمرة في أوكرانيا. وما قامت به الإدارة الأمريكية الحالية يفترض أن نيودلهي سترد إيجابًا بالانحياز إلى واشنطن في أزمات قد تنشأ في الإقليم. هذا ما نُشر بمجلة «فورين أفيرز» الأمريكية، ترجمة «INDEPENDENT» عربية. والذي ينظر مليًّا لوجهة النظر هذه المشككة في انحياز الهند للولايات المتحدة ضد الصين، يتضح له أن توقعات واشنطن الراهنة من الهند في غير محلها. والضعف الملحوظ الذي تعانيه الهند مقارنة بالصين، وقربها الجغرافي منها لا يمكن تجاهله، ترتبان على نيودلهي ألا تقحم نفسها في أية مواجهة أمريكية - صينية لا ينجم عنها تهديد مباشر لأمنها القومي. فالهند، بحسب المقال المترجم، تثمن التعاون مع واشنطن بسبب الفوائد الملموسة الناتجة منه، لكنها لا ترى أن عليها، لقاء ذلك، تأييد الولايات المتحدة تأييدًا فعليًا في أية أزمة تقع بين القوتين، حتى لو كان مصدر الأزمة الصين، وتهديدها الهند والولايات المتحدة معًا. والمشكلة كما ينظر اليها، تكمن في تباين ما ينتظره البلدان من الشراكة الأمنية التي تجمعهما. وعلى نحو ما فعلت مع حلفاء في أنحاء مختلفة من العالم، سعت واشنطن إلى تقوية موقف الهند ضمن إطار النظام الدولي الليبرالي، وتتوقع منها الإسهام في تحالف دفاعي. أما نيودلهي فترى الأمور على نحو مختلف. فهي لا تلتزم التزامًا صارمًا بمسألة الحفاظ على النظام الليبرالي الدولي، وتنفر بقوة من الانضمام إلى حلف دفاعي مشترك، وتسعى إلى الحصول على تكنولوجيات متطورة من الولايات المتحدة تعزز قدراتها الاقتصادية والعسكرية، وتسهم في تحولها إلى قوة عظمى قادرة بقواها الذاتية على التوازن مع الصين. وهي لا ترى أن المساعدات الأمريكية توجب عليها التزامات إضافية. لذا، فيما تمضي إدارة بايدن قدمًا في توسيع استثماراتها في الهند، عليها بناء سياساتها على مرجعيات قوية واقعية للاستراتيجية الهندية، وليس على أوهام تفترض تحول الهند الى «رفيق السلاح» في أزمة مقبلة مع الصين.
ومما ينبغي الوقوف عنده في مسألة الشراكة الأمنية بين الهند والولايات المتحدة ما أشار إليه المقال، وهو: في معظم حقبة الحرب الباردة لم تنخرط الهند والولايات المتحدة في مفاوضات دفاعية جدية. فطوال تلك الحقبة حاولت نيودلهي تجنب تعقيدات الانضمام إلى حلف مع الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. ولم تزدهر تلك الشراكة إلا بعد اقتراح بوش على الهند معاهدة جوهرية في المجال النووي المدني. وجراء هذا الاختراق القوي في العلاقة خطا التعاون بين البلدين خطوات أكثر عمقًا. وفي نهاية المطاف، تتعاون الولايات المتحدة والهند في مجالات لم يكن في الإمكان تصورها في أثناء الحرب الباردة. فهما تتعاونان مثلاً في رصد أنشطة الصين الاقصادية والعسكرية في أنحاء منطقة المحيط الهندي. ما نفهمه من خلال هذه الرؤية التحليلية، انه رغم النجاح الملحوظ الذي حققه التعاون الأمني الهندية - الأمريكي، تواجه الشراكة الدفاعية الكبيرة بينهما تحديات مهمة. وإذا صح أن البلدين يريدان تعزيز العلاقات التي تتوثق بينهما، فإنهما يفترقان افتراقا على النهج الذي يحقق هذه الغاية. وبشيء من التوضيح، تهدف الولايات المتحدة، من طريق التعاون المباشر بين الجيشين الأمريكي والهندي، إلى تمتين العمل المشترك: فالبنتاغون يرغب في الارتقاء إلى مستوى يمكن معه التنسيق مع جيش أجنبي في عمليات مشتركة تتطور إلى تحالف عسكري. ولكن الهند ترفض مشاركة قواتها العسكرية في عمليات عسكرية خارج إطار الأمم المتحدة. وعليه، قاومت فكرة الانخراط في عمليات مشتركة تترتب عليها تبعات، وعلى الخصوص مع القوات الأمريكية، خوفًا من المساس باستقلاليتها السياسية، أو من الدلالة على توجهها نحو تقارب سياسي وثيق مع واشنطن. وفي آخر المطاف، قد تنمي التدريبات العسكرية الثنائية (بين الهند والولايات المتحدة) احتراف الوحدات المشاركة في التدريبات وأدائها، لكنها لا تطور العمل المشترك إلى مستوى قد تقتضيه عمليات مشتركة كبيرة ضد عدو متمكن.
ولكن السؤال الكبير يتناول سخاء واشنطن تجاه الهند وإسهامه في تحقيق أهدافها الاستراتيجية. فخلال ولايتي بوش وأوباما، انصبت المطامح الأمريكية أولاً على المساعدة في بناء القوة الهندية، وتلافي هيمنة الصين كاملة على آسيا. وبينما كانت العلاقات الأمريكية - الصينية تتردى على نحو متفاقم في أثناء إدارة ترامب - حين بلغت العلاقات الصينية - الهندية الحضيض في الوقت نفسه - عمدت واشنطن إلى تفحص احتمال اضطلاع نيودلهي، بدعم حثيث من واشنطن، بدور عسكري راجح يلجم قوة الصين المتعاظمة. وفي مقابل ذلك، أن ثمة أسبابًا عديدة بأن الهند لن تفعل ذلك. فهي أظهرت رغبة في تأييد الولايات المتحدة وشركائها في «الرباعية» (المباحثات الأمنية الرباعية)، وماشت بعض عناصر الحد الأدنى من السياسة مثل، استثمار البنى التحتية، وتنويع سلاسل الإمدادات، مع الإصرار على نفي أن تكون واحدة من هذه المبادرات موجهة ضد الصين. ولكن التحدي الأصعب الذي تواجهه واشنطن في منطقة المحيطين الهندي والهادئ - هو تأمين مساهمات فعالة تلحق الهزيمة في عدو صيني محتمل - ترفض الهند، على الأرجح، تولي دور في حال لا يكون أمنها مهددًا على نحو مباشر. وفي الحال هذه لن تسهم الهند، في أحسن الأحوال، إلا بدعم ضمني.
ويتضح من ذلك أنه على الرغم من الصين الخصم الأكثر تهديدًا للهند، فإن نيودلهي لاتزال تتجنب القيام بما يؤدي إلى قطيعة عميقة مع بكين. ويعني ذلك، يعي صناع السياسة الهنود، على نحو دقيق، التفاوت الصارخ في القوة الوطنية بين الصين والهند، وهو تفاوت لن يضيق في مستقبل قريب. والضعف النسبي هذا الذي تعانيه نيودلهي يحملها على تفادي استفزاز بكين. وهو ما قد تصنعه الانضمام إلى تكتل أو حلف تقوده الولايات المتحدة. وليس في مقدور الهند إغفال جوارها بالصين، فالبلدان يتشاركان حدودًا مديدة، ما يمكن الصين من تهديد الهند، وفي أثناء السنوات الماضية تعاظمت قدرات الصين العسكرية. لذا، تبقى الشراكة الأمنية بين الهند والولايات المتحدة مترجحة صعودًا وهبوطًا في الأعوام المقبلة. وبينما ترغب نيودلهي في دعم أمريكي يقويها بإزاء الصين، تميل، في الوقت نفسه، إلى النأي عن مواجهة أمريكية - صينية ليست مصالحها الخاصة عنصرًا مباشرًا ومهددًا فيها. وإذا اندلع نزاع كبير بين واشنطن وبكين، في شرق آسيا أو في بحر الصين الجنوبي، لاشك في أن الهند تود انتصار الولايات المتحدة فيه، ولكن من غير المرجح أن تتورط في النزاع. ولعل أهم ما توصلت إليها هذه الرؤية من خلاصة هي: على الولايات المتحدة مساعدة الهند إلى حد يتوافق مع المصالح الأمريكية، ولكن على واشنطن ألا تتوهم أن دعمها هذا، بالغًا ما بلغ من السخاء، سيغري الهند بالانضمام إلى حلف عسكري ضد الصين. فالعلاقة بالهند تختلف جذريًا عن علاقة الولايات المتحدة بحلفائها الآخرين. وعلى إدارة بايدن أن تلحظ هذا الواقع بدلا من محاولة تغييره.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد