: آخر تحديث

احتجاج صاعق ضد الإبادة

7
9
7

وفاة الطيار الأمريكي آرون بوشنيل بعد أن أحرق نفسه أمام السفارة الإسرائيلية في واشنطن تنديداً بحرب الإبادة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، احتجاج بالغ الدلالة من عسكري في الخدمة، ويعكس موقف تيار لا يستهان به، في المؤسسات الأمريكية، بات يشعر بالعار من دعم تل أبيب لكل ما ترتكبه من مذابح بحق الأبرياء.

الموت احتراقاً يعد احتجاجاً فريداً بين الجنود الأمريكيين، فقد جرت العادة أن ينتحر أحدهم أو يطلق النار على زملائه في معسكر ثم يقتل نفسه، أما أن يلبس جندي زيه الرسمي بلا سلاح ويسكب على نفسه مادة سريعة الاشتعال ويحترق في مكان عام، فهذا شيء غير مسبوق، وفق المشاهد المنشورة. وقد يكون ما أقدم عليه بوشنيل تعبيراً عن الندم الفظيع والشعور بالذنب الفادح بسبب ما تقوم به المؤسسة التي ينتمي إليها من دعم مفتوح لإسرائيل في حربها الإجرامية على غزة. كما أن الاحتجاج تم بطريقة مختلفة، ربما لقناعة لدى هذا الطيار بأن أساليب الاحتجاج التقليدية عاجزة عن إيصال الرسالة إلى من يهمه الأمر، وأن طبيعة عمله العسكري لا تسمح له بالتعبير عن رأيه، بل تنفيذ الأوامر دون مساءلة أو تردد. ولا شك أن هذا الفعل يضع إدارة الرئيس جو بايدن في وضع حرج، حتى وإن لم تُظهر ذلك واعتبرت الحادث تصرفاً فردياً من جندي لا يعبّر عن سياسة جيش يقدّم نفسه على أنه الأقوى في العالم.

حادثة وفاة الطيار بوشنيل، عنوان آخر من عناوين السقوط الأخلاقي الغربي، والأمريكي أساساً، إزاء ما يجري في غزة، ومثل هذه الحادثة والاحتجاجات المليونية التي شهدتها معظم مدن الولايات المتحدة ورسائل الغضب الجماعية من الإدارات الفيدرالية، تؤكد كلها أن الكيل قد طفح بشريحة واسعة من الأمريكيين، وهم يرون بلادهم معزولة في المجتمع الدولي وتتراجع مكانتها يوماً بعد آخر، ليس بسبب تآمر خصومها وقوتهم، وإنما بسبب السياسات التي تنتهجها واشنطن في التنكر للحقوق الإنسانية، ومنها الحق في تقرير المصير، الذي كان من أهم مبادئ الرئيس الأسبق وودرو ويلسون، قبل قرن من الآن، وعلى أساسها بات للولايات المتحدة دور وصيت في العالم، باعتبارها قوة جديدة تنتصر لتحرر الشعوب من الاستعمار القديم والتخلف الحضاري، ولكن هذه القوة لم تعد كذلك، بل أصبحت تمارس أبشع سياسات الاستعمار والهيمنة، وانحيازها المفضوح ضد الشعب الفلسطيني دليل ساطع على مدى مسار القضية العادلة.

لا شك أن الولايات المتحدة، لم تعد كما كانت، فهي تعيش أزمة مزدوجة، داخلياً وعالمياً، وتؤكد تناقضاتها المتفاقمة أن وضعها الدولي بات على المحك، وسددت لها الحرب الإسرائيلية على غزة ضربة قاصمة، وباتت إدارة بايدن لا تدري إلى أين تذهب، فقد اختلطت عليها السبل، وبدأت تفقد مفاتيح السيطرة والقوة، ولم تعد قادرة حتى على إقناع إسرائيل بوقف حربها غير العادلة، مثلما يقول الإعلام. ومن منظور إستراتيجي، فإن لهذه المؤشرات ما بعدها، والآتي لن يكون في مصلحة الولايات المتحدة.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.