: آخر تحديث

الجاحظ.. ولغة الإشارة

22
23
18
مواضيع ذات صلة

"... وكان أبو شَمِر إذا نازع لم يحرِّك يديه، ولا منكبيه، ولم يقلِّب عينيه، ولم يحرِّك رأسه؛ حتى كان كلامه إنّما يخرج من صدع صخرة. وكان يقضي على صاحب الإشارة بالافتقار إلى ذلك، وبالعجز عن بلوغ إرادته. وكان يقول: ليس من حق المنطق أن تستعين عليه بغيره؛ حتى كلَّمه إبراهيم بن سيّار النظام، عند أيّوب بن جعفر؛ فاضطره بالحجة، وبالزيادة في المسألة؛ حتى حرَّك يديه، وحلّ حبوته، وحبا إليه؛ حتى أخذ بيديه. وفي ذلك اليوم انتقل أيوب من قول أبي شمر إلى قول إبراهيم..."

هذا نص طويل طريف ننقله عن الجاحظ في البيان والتبيين (1/91) وهو كما نصوص الجاحظ الأخرى السهلة الممتنعة، يمتاز بالتقاط فكرة دقيقة جميلة، يعبِّر عنها بمفردات وجمل سهلة بسيطة. وأول ما يلفت الانتباه في هذا النص أنّ الطرف الثالث (أيوب بن جعفر) زَهِدَ بقدرات أبي شمر، وتحوّل كُلِيَّةً للنّظّام؛ نتيجة لهذا الموقف الذي اضطُر فيه أبو شمر لترك سمته الظاهرة في إفحام الخصوم والمخالفين؛ دون أن يستعين على كلامه بتحريك يديه؛ لكنّه عندما قابل النظّامَ تدهورت حالته، وارتبكت تلقائيته؛ حتى حبا حبوًا!
وفي انتقال أيوب من ضفة إلى أخرى مؤشرٌ على أنّ العربيَّ مأسورٌ بالفصاحة اللفظية، وقد يكون ذلك على حساب الكتابة، ولو جزئيا. ويلفت النظر في هذا النص أنّ أبا شمر جعل استخدام الإشارة أثناء الكلام دليلَ فقرٍ، ونقصَ معرفةٍ، وكان يوظِّف ذلك في الانتقاص من محاوريه ومعارضيه!

وفي محيط هذا النص الذي خرم فيه النظامُ مفخرةَ أبي شمر وبدّدها، نتساءل: هل كان النظام يحرّك يديه؟
وما معنى تقليب العينين؟
وما الداعي له؟

وهل يتقاطع ذلك مع توزيع النظر على المحاضَرين _بفتح الضاد_ الذي يمارسه المحاضِرون _بكسر الضاد_؟
كثيرٌ منّا يظن ويحسب أنّه تمكّن من مَلَكَةٍ ما، وقد يتصوّر عدم وجود منافس، أو منازع له في تلك الحلبة؛ لكنّه قد يتفاجأ على حين غِرَّةٍ بما ينسف تلك القناعات نسفًا!

اللغة المنطوقة هي الأصل، وهي الغريزة التي زوّد بها الخالقُ الإنسانَ؛ أمّا الكتابة فمهارة متعلَّمة، وعليه قد يُحْسِنُ الإنسانُ الحديثَ الشفوي، ويبرع فيه؛ لكنّه يبقى دون ذلك في الكتابة؛ بل قد يخفق في ذلك!

من جانب آخر ذي صلة، وعلى المستوى الشخصي، أقول: إنني تتلمذت على الدكتور عبدالله الغذّامي، وسمعت منه مباشرة، وسمعته عبر التلفزيون ووسائل التواصل الأخرى، وأظنّه يشكِّل نموذجًا باذخًا لما يتمتع به الإنسان من قدرة شفهية استثنائية، يستطيع _من خلالها_ التعبير  والإبانة عن أدق الأفكار بلغة سهلة مفهومة، وتلك قدرةٌ تمتح من معجم خاص، ومفردات تُنتَقَى بعناية فائقة، تسهم في تبسيط الفكرة، وإيصالها. وقد يكون أستاذنا الغذّامي أقلَّ من ذلك في حضوره الكتابي؛ برغم أنّ حضوره الكتابي يبقى علامة بارزة في المشهد الأدبي الثقافي الخليجي والعربي؛ دون السياسي، الذي يحاول أن يلج فيه مؤخرًا _وربما على استحياء_ من خلال تغريدات أقل ما يقال عنها: إنها متعثِّرة!
 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في فضاء الرأي