: آخر تحديث

الميثومانيا أو اضطراب الكذب القهري

12
13
12
مواضيع ذات صلة

بتعديلٍ طفيفٍ على المقولة الأصلية "إكذبْ حتى تصبح أكاذيبك حقيقةً"، لتصبح: "إكذبْ حتى تبدو عظيماً أمام نفسكَ"، نستطيع تلخيص إحساس المُصاب بمرض الميثومانيا أو اضطراب الكذب القهريّ.
وهذا الاضطراب، كغيرهِ من العُصابات النفسيَّة، يهدف بالأساس إلى محاولة استرجاع الأمان النفسيّ المفقود، أو إلى إعادة ضبط بوصلة الذات المُضطربة باتجاه الأمان.
إنَّ اضطراب الكذب القهريّ، أو كما يُسمِّيه البعض بـ"الكذب الأسطوري"، ذي الباعث الداخليّ، حيَّرَ علماء النفس في مسألة تصنيفه. فالبعض يراه سمةً مميِّزةً أو سمةً مُرافقة لأمراض أخرى (مثل الشخصيَّة النرجسيَّة أو الشخصيَّة المعادية للمجتمع)، بينما يراه البعض الآخر مرضاً نفسيَّاً مستقلَّاً، على اعتبار أن سبب الكذب التخيُّليّ في كلا الحالتَيْن متمايزٌ عن الآخر.
فمن خلال قصصه المُختلَقة، لا يهدف الكاذب الأسطوريّ إلى أذيَّة الآخرين، بقدرِ ما يسعى إلى تحقيق أمانه النفسيّ المفقود، وذلك من خلالِ تكبيرٍ مزيَّفٍ لذاتهِ. فثقته بنفسه شبه معدومة، وهو غير مقتنعٍ بوضعه الاجتماعيّ الراهن أو غير مكتفٍ به، ويعاني شعوراً متزايداً بالدونيَّة، لذلك هو يقوم بفكِّ الحصار عن ذاته التعسة باختراع القصص الوهميَّة التي تقدّمه بطلاً أو مُخلِّصاً أمام نفسه والناس.
وثمَّة محوران أساسيان تدور قصصه حولهما: فهو إمَّا البطل الخارق، وإمَّا الشهيد الحيّ والضحيَّة بسبب مكارمه وأخلاقه الزائدة!
وبما أنَّ هذا الحكواتيّ القسريّ، إن صح القول، يستخدم الكذب كسلوكٍ تعويضيّ، فهو بالتأكيد لا يعتقد ضمنيَّاً بصدق رواياته، وهو يعلم تماماً بأنه يُبالغ ويشطح في قرارة نفسه، لكنَّه لا يستطيع التوقُّف ولا الإقلاع عن هذه العادة المَرَضيَّة؛ لأنَّ دافعاً داخلياً يُجبرهُ على هذا النوع من الكذب التخيُّليّ، وهو شعوره الضمنيّ بالصغار والضآلة.
وقد يرجع السبب، في عديد الحالات، إلى الاكتساب وإلى تنشئته في أُسرةٍ يكون الكذب فيها جزءاً من تكوينها، حيث إنَّ الأضواء مُسلَّطةٌ عليها دائماً، وتتعرَّض للَّوم والانتقاد الدائميَن من المحيط والأقارب والمجتمع، فتدافع عن كيانها بالطريقة الأسوأ: الكذب!
وهذه العِلَّة قد تصيب الطفل، كما أنها قد تظهر في سن ما بعد البلوغ.
وقد لا تظهر على شكل رواياتٍ وقصص بطوليَّة تُروى على مسامع الناس في التجمُّعات والسهرات والمقاهي لتُمجِّدُ صاحبها، بل تأخذ أشكالاً أخرى أقلّ وضوحاً ومُجاهرةً، وذلك عبر إيكال دور البطولة، في القصة المُخترَعة، إلى شخصٍ آخر قريب مثلاً، أو إلى جماعةٍ أو حزبٍ ينتمي إليهما، فتكون المنفعة المعنوية غير مباشرة.

باحث سوري في علم النفس التحليلي.
 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في فضاء الرأي