: آخر تحديث

عندما کنت ضيفا عند الامام الخميني 2/3

19
21
7

کان يوجد معسکر برندك للأسرى العراقيين، الذي يقع بالقرب من مدينة شهريار التي کما أظن تبعد 80 کيلومترا عن طهران، في البداية أي عام 1981، ثلاثة کمبات محاطات بالاسيجة المليئة بالاسلاك الشائکة وبأبراج حراسة مشددة، وکل کمب کان يتکون من أربعة أقسام وکل قسم يضم قرابة 300 أسير موزعين على قاعتين، لکن ومع مرور الايام فقد فتحوا کمبات أخرى ولکن لم تکن بمواصفات هذه الکمبات الثلاثة إذ کانت معظمها مخازن وجعلوا منها مهاجع للأسرى حتى أصبح برندك في النتيجة يضم مايقارب على 13 ألف أسير.

وهذا التوسع في بناء الکمبات قد بدأ منذ عام 1982 وإستمر على ما أتذکر الى العام 1985، ولکن وقبل هذا التوسع وتحديدا في عام 1982، إنتشر بين أسرى کمبات برندك الثلاثة مرض الجرب، وهو عبارة عن حکة شديدة في الجلد ناجمة عن سوس ناقب يسمى "القارمة الجربية" وتحدث حکة شديدة في المنطقة التي ينقب السوس بداخلها، والرغبة الملحة للحکة قوية في الليل بصورة خاصة بحيث تصبح مناطق الحك شديدة الاحمرار وهذا المرض الذي عانينا منه في الاسر وإستمر سفر المعاناة مع هذا المرض لأکثر ستة أشهر، وعلى الرغم من کثرة المطالب التي طرحها الاسرى أمام مسٶولي المعسکر، لکن لم تکن هناك من أذن صاغية حتى جاء ذلك اليوم الذي جلبوا فيه العلاج والذي کان بسيطا بل وحتى بدائيا، بل وإن المثير للسخرية إنهم وعندما أتوا بالعلاج فقد طلبوا منا ترديد التکبير لعشرات المرات والتکبير الذي کان مفروض على الاسرى ويعاقب بشدة من لم يردده، فقد کان بداية بالشکل التالي:

"الله أکبر، الله أکبر، الله أکبر النصر للإسلام الموت لصدام الموت لأمريکا الموت لروسيا الموت لإسرائيل" والملاحظة المهمة هنا إن الاسرى لم يکونوا يرددوا کلمة صدام وإنما کان يسمع کلمة الموت لوحدها. وطبعا طلب ترديد التکبير من الاسرى کان في أوقات التعداد وزيارات الوفود وکذلك في کل شئ يتم تقديمه لهم وقد کنا نعاني من مشکلة قص الاظافر حيث لم تکن هناك أداة قص الظافر التي ظل الاسرى يطالبون بها لأکثر من سنة حتى جاء ذلك اليوم الذي دخل فيه آمر الکمب الى قسمنا وکان رجل مسنا برتبة عقيد، حيث إننا کنا القسم الاول لکمب نامجو، وبعد أن طلب منا التکبير لأکثر من خمسة مرات حتى ظننا بأنه يمکن أن يکون هناك وقف إطلاق نار، فإنه قال بأن لديه هدية وبشرى لنا وهي أداة قص الاظافر وألقى فينا خطبة مطولة في ظهيرة يوم صيفي قائض، وهو يتحدث عن مزايا هذه الاداة وفوائدها وطرق إستخدامها مع ملاحظة إنه کان يحرص على التأکيد بين کل جملة وأخرى على إننا ضيوف الامام خميني! وقد کان حديثه المطول والممل عن أداة قص الاظافر مثيرا للسخرية ولاسيما وإنه کان بصورة توحي وکأن الاسرى العراقيين قد جاءوا من مناطق لم تصلها الحضارة!

الطرفـة الاخرى والتي کانت في ذلك الوقت بمثابة نکتة وطريفة ظلينا نرددها لفترة طويلة، هي إنه في ذات يوم أخبرنا عريف الخفر بأنهم قد جلبوا الرمان لنا، فسادت الفرحة التي ما إن دخل الرمان حتى إنقلبت الى دهشة لايمکن وصفها، إذ کان لکل قسم من أقسام الاسرى المکونة من 300 أسير کما ذکرت سابقا، 9 رمانات وتم فرط هذه الرمانات وکان نصيب کل أسير بضعة حبات!!

کان هناك بين الاسرى، أسير کان يمتلك ساعة يدوية عليها صورة صدام حسين، وقد صادرت سلطات المعسکر الساعة منه عند دخوله المعسکر، لکن المثير إنه وکلما کان يزور ثمة وفد معسکر برندك، کانوا يرسلون في طلب ذلك الاسير وکنت أحضر کمترجم، وکان آمر المعسکر يشرح للوفد کيف إن هذا الاسير"البعثي الصدامي اليزيدي الکافر" يحمل ساعة تحمل صورة "صدام الکافر الملعون" الذي "وحسب وصف آمر المعسکر" هو ألد عدو للشيعة عموما ولأهل البيت النبوي خصوصا، وبعد أن کان يحظى هذا الاسير بنظرات غاضبة وحتى کلمات جارحة، کان عند عودته الى داخل القسم يحظى بصفعات ورکلات قاسية، ويبدو إن هذا الاسير وبعد أن طفح به الکيل قرر أن يحسم هذا الامر، ولذلك وعند زيارة آخر وفد وبعد أن رمقوه بنظرات شرزة وجرحوه بکلمات نابية، وفي موقف غير عادي طلب من آمر المعسکر أن يعطيه الساعة ليبين لهم مسألة أخرى أمر وأدهى في تلك الساعة، ومن دون أي تردد وافق آمر المعسکر على طلبه وأعطوه الساعة ليبين لهم تلك المسألة، لکن المفاجأة کانت عندما رمى ذلك الاسير الساعة بمنتهى القسوة على بلاطة غرفة آمر المعسکر ثم طفق يدوس بها بکل قسوة حتى حطمها، ومع إنه قد عوقب عقابا شديدا ووضعوه في الزنزانة الانفرادية لأکثر من ثلاثة أشهر، لکنه مع ذلك فقد قال بعد أن خرج من الانفرادي بأنه قد تخلص من مصيبة إستدعائه بين فترة وأخرى ليواجه الاهنات والضرب المبرح وقد حسم الامر کله في عقوبة قاسية ولکن لمرة واحدة!

وهناك أيضا حادثة أخرى أجد من المناسب ذکرها أيضا، وهي تتعلق بالرائد الطيار الاسير "ميم . هاء"، والذي تم إسقاط مقاتلته في داخل الاراضي الايرانية، وللأمانة أقول بأن ما أرويه بصدد هذا الطيار لأحد زملائي الاسرى الذين کانوا يتقنون اللغة الفارسية، حيث روى لي کيف إن الحاج محمد علي نظران، رئيس لجنة شٶون الاسرى في مجلس الدفاع الايراني الاعلى بمعية المدعو "روح نواز" رئيس اللجنة الثقافية لشٶون الاسرى، أرسلا في طلب ذلك الرائد الطيار الاسير، وإن الحاج نظران، سأل الطيار العراقي: ألست نادما على موافقتك على قصف مرقد السيدة معصومة في قم؟ وقال لي زميلي المترجم بأن الطيار طلب منه أن يترجم حرفيا ما يقول ولا يغير کلمة منه، وعندما علم الحاج نظران بذلك فقد شدد على المترجم بأن يراعي ذلك رغم إنهم کانوا يضعون جنود إيرانيون ناطقين باللغة العربية للتأکد من سلامة الترجمة، فأجابه الطيار الاسير قائلا؛ لم تکن لدي أية مهمة بقصف أي مرقد ديني أو أهلي في إيران بل کان هدفا عسکريا، لکن رغم ذلك فإن السيد الرئيس القائد صدام حسين حفظه الله ورعاه لو کلفني بقصف أي مرقد ديني لما ترددت في ذلك أبدا، وقال المترجم بأن الحاج نظران وروح نواز وآمر المعسکر أصبحوا في حالة ذهول لجرأة هذا الطيار وروح التحدي لديه ضدهم، لکن بطبيعة الحال فقد إنهالوا عليه ضربا والله فقط يعلم ما قد فعلوا به فيما بعد ولحديثنا المر هذا صلة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في فضاء الرأي