GMT الثلاثاء 03 سبتمبر 2024 07:00
سقوط نظرية تعدد التحالفات
يقول القائد العسكري والفيلسوف الصيني صن تزو: «العاقل من يتجنَّب الحرب»، وهذا لكونها تنطوي على مجهول، وعلى تبعات خطيرة؛ فالانتصار في الحرب غالباً ما يكون بذرة تُولِّد حرباً أعظم، لأنَّ المهزوم لن يقبل بهزيمته، وكذلك المتحالفون معه. فالحرب الروسية الأوكرانية التي وصفها الرئيس بوتين بعملية خاصة يفترض أنها قصيرة تحولت إلى حرب وساحة مفتوحتين لحرب مصالح أكبر. وكعادة الدول فإنَّها تدخل الحروب لترجح فئة على أخرى، أو تستفيد دونما انغماس من الجانبين. هذا بالذات ما أراد تحقيقه رئيس وزراء الهند مودي في زيارته لأوكرانيا بأن يكون صديقاً للروس والأوكران. لكن في السياسة فإنَّ أحجام الأطراف تقرر حرية تحركها، والهند كونها بلداً صاعداً واقتصادها كبير، وبالتالي فانحيازها لطرف ولو قليلاً سيؤثر على رجحان كفة أطراف أخرى في صراعات تتعدى حدود أوكرانيا وروسيا؛ فمنطق الحياد ليس دائماً ممكناً، واللعب على التوازنات مخاطرة. فعندما زار رئيس وزراء الهند الرئيس بوتين احتضنه ووصفه بالصديق الصدوق، ورفض التوقيع على بيان مؤتمر سويسرا الداعي إلى احترام وحدة الأراضي الأوكرانية، ورفض إدانة روسيا في مؤتمر قمة العشرين في بلاده، واستمر في شراء النفط من روسيا وبكميات كبيرة تجاوزت مؤخراً الصين. بهذا الموقف أظهر مودي، دونما مراعاة للموقف الأميركي، أن سياسته الخارجية ترتكز على مبدأين: الاستقلال الاستراتيجي، وتعدد التحالفات. لكن الاستقلال الاستراتيجي بقدر ما يفيد صاحبه يؤدي إلى خسارة آخرين، ويتحول بنظرهم إلى انحياز ضار. وهذا ما دعا السفير الأميركي لدى الهند أريك غريستي للقول إن علاقة الهند مع أميركا أُسسُها قوية، وعميقة، لكن ليس بما يكفي من العمق، وأضاف أنه «لا يوجد شيء اسمه استقلال استراتيجي». واستخلص أن العلاقة مع أميركا ليست مُسلَّمة، وأن «الأصدقاء الموثوقين يعملون وقت الحاجة يداً واحدةً». هذا التصريح من أكبر قوة على الأرض يزيح الغشاوة عمن يتوهم قدرة التلاعب على التوازنات، لأنه عند المنعطف لا بد من موقف، وإلا فإن تسامحك مع عدوي لن يجعلك صديقي.